عبد الباقي مفتاح
125
المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي
الكلية فاقتصر الرجل على أربع نسوة في النكاح الموقوف على العقد كعدد الأركان الطبيعية وأباح ملك اليمين في مقابلة الأمر الخامس الذي هو أصل تلك الأربعة وهو المسمى بالطبيعة فإنها معقول واحد عنها ظهرت المتنافرات كالنار مع الماء والهواء مع التراب ) . وقول الشيخ في هذا الفص عن المخبتين أنهم هم الذين ( خبت نار طبيعتهم فقالوا إلها ولم يقولوا طبيعة ) يشير إلى غلبة نار الطبيعة على قوم نوح وللنار شدة الظهور فمالوا إلى التشبيه المطلق . والمنافر للنار الماء أي غلبة التنزيه البطوني ولهذا كان هلاكهم بالماء والنار ، لأن هلاك كل شخص هو عين انحرافه ، قال تعالى : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً ( نوح ، 25 ) ، ولإخراجهم من نار التشبيه المطلق دعاهم نوح إلى ماء التنزيه من الاسم الباطن الغفار فقال اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( نوح ، 10 ) وقرنه بالماء الذي يطفي النار فقال يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ( نوح ، 11 ) إلى قوله وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ( نوح ، 12 ) فلغلو القوم في التشبيه والشرك دعاهم نوح إلى التسبيح والتوحيد ، ولكن حيث أن الحكم في هذه المرتبة للطبيعة وهي غير معتدلة ، لم يستجيبوا له ، فدعا عليهم بالهلاك وهو عدم اعتدال أيضا ، لكنه لازم ، وأغرقوا بما به كفروا أي بماء التنزيه فأدخلوا نار شركهم والتشبيه . . . ولا يذوق العبد حقيقة الأمر إلا بانعتاقه من عقال فرقان زوجية الظاهر والباطن إلى قرآن جمع الضدين في عين الأحدية . ولن يصل هذه الدرجة الرفيعة إلا من تجاوز سيف الطبيعة - حسب تعبير الشيخ وجمع الضدين في نفس العين تجلى عند نوح بفوران التنور الناري ماء . يقول الشيخ في سفر نوح من كتاب " الإسفار " ما خلاصته : ( لما عرف نوح أن الطوفان الذي قدره اللّه قرب وقته وأنه يكون في برج السرطان وهو مائي وهو الذي خلق اللّه الدنيا به وهو متقلب غير ثابت أخذ ينشئ السفينة . ولم تكن آيته في الطوفان فإنه ربما أدرك ذلك بعض أصحابه من العلماء فشورك فيه ، وإنما آيته التنور حيث أنذر قومه بأنه سيفور بالماء فسخروا منه لتحققهم أن النار لا تستحيل ماء أصلا ، وذلك لجهلهم بجوهر العالم وصوره فلو علموا أن النار صورة في الجوهر والماء كذلك أيضا لما سخروا . ولما كان الماء يماثل العلم في كون الحياة منهما حسا ومعنى أهلكوا بالماء لردهم العلم وكان من التنور لأنهم ما كفروا إلا بماء التنور وما ردوا إلا العلم الذي شافههم به على لسان تنور جسمه وما علموا أنه مترجم عن معناه الذي هو النور المطلق فانحجبوا بماء التنور عن التنور وما علموا أنه النور ودخلت عليه تاء تمام النشأة بوجود الجسم فعاد تنورا أي نورا تام الملك فهو نور النار مظهره ) انتهى .